الاثنين، 8 أكتوبر 2012

كواليس نكسة يونيو


فى شتاء عام 1964 يعقد حلف شمال الأطلنطى اجتماعا لمناقشة ورقة العمل التركية التى أعدها وزير الخارجية التركى وتحمل عنوان ( تصفية عبد الناصر ) . ومحضر هذه الجلسة الذى يناقش ورقة العمل التركية يتحدث عن الدور المشاكس والمضاد لمصالح الغرب الذى تلعبه مصر بزعامة جمال عبد الناصر عبر العديد من المشكلات التى تسبب فيها عبد الناصر من إفشال فكرة الأحلاف العسكرية - شراء الأسلحة من الكتلة الشرقية - تأميم القناة - تمصير وتأميم المصالح الأجنبية فى مصر - الوحدة مع سوريا ثم ثورة اليمن وهى الطامة الكبرى بالنسبة لمصالح الغرب .. فوجود الجيش المصرى فى اليمن لمساندة الثوار أدى إلى نشوء وضع خطير هو تحكم مصر فى طريق المواصلات بالبحر الأحمر من الشمال عبر قناة السويس ، ومن الجنوب عبر مضيق باب المندب كما أن هذا الوجود يهدد بزوال العرش الملكى السعودى الذى يحارب الثورة اليمنية وهو العرش الموالى للغرب والذى يضمن تدفق البترول إلى الغرب بكل يسر . وتعرض الوثيقة إلى الأطراف العربية التى تعادى طموحات جمال عبد الناصر وسياساته وتحددها فى المملكة العربية السعودية الأردن ليبيا تحت حكم الملك السنوسى . كما تلفت النظر لسوء العلاقات المصرية السورية والمصرية العراقية كما تتحدث عن النفوذ المصرى فى إفريقيا المعادى لمصالح الغرب وتدعو لدراسة الاقتراح بتوجيه ضربة عسكرية موجعة إلى عبد الناصر كما تطالب بتحويل اليمن إلى مستنقع يغوص فيه الجيش المصرى مما يساعد على إنجاح الضربة العسكرية الموجهة إلى مصرمع التنبيه على أنه إذا استمر الوضع الحالى فى اليمن فإن العرش السعودى مهدد بالزوال عام1970 . وبرصد المخابرات المصرية لتطور الأوضاع فى ساحة الحرب اليمنية ومدى تشابك المصالح والقوى الدولية التى تلعب على وتر إطالة الحرب فى اليمن من أجل استنزاف القوات المصرية هناك واستنزاف الأموال السعودية ، قرر الرئيس عبد الناصر أن يزور السعودية فى أغسطس 1965 لأداء العمرة ومقابلة الملك فيصل للوصول إلى حل فى اليمن وفى 22 أغسطس 1965 وصل الرئيس عبد الناصر إلى جدة وحاول إقناع الملك إن مصر لا تريد قلب النظام فى السعودية ولا تهدف لفرض سياستها على السعودية ، كما قدم له وثائق عن تجنيد المرتزقة وتجارة السلاح وتجار الحروب الذين وجدوا فى حرب اليمن سوق لكسب الأموال وإهدار القوة العربية ، وتوصل الزعيمان يوم 24 أغسطس 1965 إلى ما عرف بعد ذلك باسم اتفاقية جدة التى قررت أن يتم عمل استفتاء للشعب اليمنى يقرر فيه نظام الحكم الذى يرتضيه فى موعد أقصاه 23 نوفمبر 1966 وتعتبر الفترة الباقية حتى موعد الاستفتاء فترة انتقالية للإعداد له ، لم يتم تنفيذ بنود الاتفاقية بسبب تراجع الملك فيصل عن الإلتزام بها ، ويصرح الرئيس عبد الناصر ( بأنه لا فائدة ترجى من اللقاء مع الرجعيين ، بعد كل ما رآه وسمعه فى السياسات السلمية السابقة التى مارسها إزاءهم فى اللقاءات والمؤتمرات ) ، وفى 21 يونيو 1966 وصل الملك فيصل فى زيارة إلى الولايات المتحدة وسبقته مجموعة المقدمة السعودية التى أوضحت للمسئولين الأمريكيين ان المشكلة بالنسبة للسعودية ليست إسرائيل ، وأن الخطر الحقيقى هو حركة القومية العربية كما تمثلها القاهرة ، وأن السعودية ماضية فى تنفيذ فكرة المؤتمر الإسلامى كبديل للجامعة العربية ، خلال الزيارة التقى الملك فيصل بالرئيس الأمريكى جونسون لمدة نصف ساعة فى اجتماع منفرد لم يحضره معهما إلا مترجم من المخابرات الأمريكية وليس وزارة الخارجية كما جرت العادة ، وقد أذيع تصريح بعد الاجتماع المنفرد جاء فيه ( إن تدهور الأوضاع فى اليمن بعد تعثر اتفاق جده وفشله قد جرى بحثه بين الرئيس والملك ، وأن الرئيس قدم للملك تعهد الولايات المتحدة بأن السعودية تستطيع الاعتماد على صداقة أمريكا مهما كانت تطورات الأمور فى اليمن) فى كتاب ( عقود من الخيبات ) للكاتب حمدان حمدان الطبعة الأولى 1995 الصادر عن دار بيسان فى الصفحات من 489 ـ 491 ، نجد تلك (الرسالة/الوثيقة) والتى أرسلها الملك فيصل بن عبد العزيز إلى الرئيس الأمريكى ليندون جونسون ( وهى وثيقة حملت تاريخ 27 ديسمبر 1966 الموافق 15 رمضان 1386 ، كما حملت رقم 342 من أرقام وثائق مجلس الوزراء السعودى ) وفيها يقول الملك العربى ما يلى : من كل ما تقدم يا فخامة الرئيس ، ومما عرضناه بإيجاز يتبين لكم أن مصر هى العدو الأكبر لنا جميعا ، وأن هذا العدو إن ترك يحرض ويدعم الأعداء عسكريا وإعلاميا ، فلن يأتى عام 1970 ـ كما قال الخبير فى إدارتكم السيد كيرميت روزفلت ـ وعرشنا ومصالحنا فى الوجود لذلك فأننى أبارك ، ما سبق للخبراء الأمريكان فى مملكتنا ، أن اقترحوه ، لأتقدم بالاقتراحات التـالية : ـ أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولى به على أهم الأماكن حيوية فى مصر، لتضطرها بذلك ، لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط ، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أى مصرى رأسه خلف القناة ، ليحاول إعادة مطامع محمد على وعبد الناصر فى وحدة عربية بذلك نعطى لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا فى مملكتنا فحسب ، بل وفى البلاد العربية ومن ثم بعدها ، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية إقتداء بالقول ( أرحموا شرير قوم ذل ) وكذلك لاتقاء أصواتهم الكريهة فى الإعلام ـ سوريا هى الثـانية التى لا يجب ألا تسلم من هذا الهجوم ، مع اقتطاع جزء من أراضيها ، كيلا تتفرغ هى الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر. ـ لا بد أيضا من الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة ، كيلا يبقى للفلسطينيين أي مجال للتحرك ، وحتى لا تستغلهم أية دولة عربية بحجة تحرير فلسطين ، وحينها ينقطع أمل الخارجين منهم بالعودة ، كما يسهل توطين الباقى فى الدول العربية ـ نرى ضرورة تقوية الملا مصطفى البرازانى شمال العراق ، بغرض إقامة حكومة كردية مهمتها إشغال أى حكم فى بغداد يريد أن ينادى بالوحدة العربية شمال مملكتنا فى أرض العراق سواء فى الحاضر أو المستقبل، علما بأننا بدأنا منذ العام الماضى (1965) بإمداد البرازانى بالمال و السلاح من داخل العراق ، أو عن طريق تركيا و إيران. يا فخامة الرئيس إنكم ونحن متضامين جميعا سنضمن لمصالحنا المشتركة و لمصيرنا المعلق ، بتنفيذ هذه المقترحات أو عدم تنفيذها ، دوام البقاء أو عدمه , أخيرا أنتهز هذه الفرصة لأجدد الإعراب لفخامتكم عما أرجوه لكم من عزة ، و للولايات المتحدة من نصر وسؤدد ولمستقبل علاقتنا ببعض من نمو و ارتباط أوثق و ازدهار. المخلص : فيصل بن عبد العزيز ( ملك المملكة العربية السعودية ) من قراءة تلك الوثيقة يمكننا ملاحظة التالى: الخطة التى يقترحها الملك السعودى للعمل ضد الدول العربية تكاد تكون هى خطة الحرب الإسرائيلية فى يونيو 1967 زوال العرش السعودى عام 1970 إذا استمرت خطط جمال عبد الناصر واستمرت قواته فى اليمن ، والجدير بالملاحظة أن عبد الناصر هُزم عسكريًا عام 1967 م وتوفى عام 1970. عندما نشرت مقالى عن ( غياب عبد الناصر هل كان صدفة ؟) فى ديسمبر 2007،نشرت تلك الوثيقة ضمن المقال الذى كان يبحث لغز وفاة الرئيس عبد الناصر عام 1970 ، و تم نشر المقال على موقع الفكر القومى العربى ، وموقع منتديات الفكر القومى العربى ، وعندما قرأ تلك الرسالة/الوثيقة ، السيد ( سامى شرف ) سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات ووزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق قام بكتابة هذا التعليق عليها وهو تعليق منشور فى موقع منتديات الفكر القومى العربى: ( كنت فى زيارة لإحدى البلدان العربية الشقيقة سنة 1995 وفى مقابلة تمت مع رئيس هذه الدولة تناقشنا فى الأوضاع فى المنطقة وكيف أنها لا تسير فى الخط السليم بالنسبة للأمن القومى وحماية مصالح هذه الأمة واتفقنا على انه قد حدث ذلك منذ ان سارت القيادة السياسية المصرية بدفع من المملكة النفطية الوهابية والولايات المتحدة الأمريكية على طريق الاستسلام وشطب ثابت المقاومة من أبجديات السياسة فى مجابهة الصراع العربى الصهيونى ، ولما وصلنا لهذه النقطة قام الرئيس العربى إلى مكتبه وناولنى وثيقة وقال لى يا أبوهشام أريدك ان تطلع على هذه الوثيقة وهى أصلية وقد حصلنا عليها من مصدرها الأصلى فى قصر الملك فيصل ولما طلبت منه صورة قال لى يمكنك أن تنسخها فقط الآن على الأقل وقمت بنسخها ولعلم الأخوة أعضاء المنتدى فهى تطابق نص الوثيقة المنشورة فى هذا المكان وقد راجعت النص الموجود لدى بما هو منشور أعلاه فوجدتهما متطابقين ،أردت بهذا التعليق أن أؤكد رؤية مفادها ان عدوان 1967 كان مؤامرة مدبرة وشارك فيها للأسف بعض القادة العرب وقد يكون هناك ما زال بعد خفيا عنا مما ستكشفه الأيام القادمة ) (انتهى تعليق السيد سامى شرف على الرسالة / الوثيقة). ـ فى الوثائق الإسرائيلية الخاصة بحرب يونيو 1967 والتى قام بترجمتها ونشرها الأستاذ محمد حسنين هيكل فى كتابه ( عام من الأزمات ) ، أن الرئيس الأمريكى ليندون جونسون فى مايو 1967 وبعد أن تم تجهيز كل الخطط لضرب مصر ، أراد أن يستوثق من احتمالات غضب الشارع العربى على العروش العربية فى حالة شن إسرائيل الحرب على مصر وقد أستقر رأيه بعد التشاور مع مساعديه على التوجه بالسؤال مباشرة إلى ملكين فى المنطقة تعتبر الولايات المتحدة عرشهما مسألة هامة لأمنها القومى ، الملك حسين بن طلال فى الأردن ، و الملك فيصل بن عبد العزيز ، وبالفعل قابل روبرت كومار مساعد الرئيس جونسون الملك حسين فى عمان يوم 28 مايو 1967 ، كما توجه ريتشارد هيلمز مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لمقابلة الملك فيصل بن عبد العزيز فى نفس اليوم فى لندن التى كان الملك فيصل فى زيارة رسمية لها من أجل تخيير الحكومة البريطانية بين حلين : 1 ـ تأجيل تنفيذ سياسة الانسحاب من شرق السويس ، واستمرار بقاء القوات البريطانية فى المنطقة لسنة كاملة على الأقل حتى يتمكن الجميع من ترتيب أوضاعهم ، وإلا فإن إتمام الانسحاب البريطانى فى المواعيد المعلنة ( عام 1968 كما أعلن رسميا من مجلس العموم البريطانى ) سوف يخلق فراغا يملؤه الجيش المصرى و يدخل إلى عدن ذاتها . 2 ـ أن تبذل الحكومة البريطانية مساعيها لإقامة تجمع يضم كل دول شبه الجزيرة العربية و الخليج لكى يكون للمنطقة تجمع إقليمى تتمايز به عن الجامعة العربية ، ويكون للسعودية فيه دور مؤثر يوازى الدور المصرى فى جامعة الدول العربية التى يوجد مقرها فى القاهرة . ـ تمت المقابلة بين الملك فيصل و ريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 فى جناح الملك فى فندق دورشستر وحضر المقابلة بين الملك وهيلمز السيد كمال أدهم مستشار الملك الخاص ومدير المخابرات السعودية وشقيق زوجته الملكة ( عفت ) ، أستمر الاجتماع من العاشرة مساء وحتى الثانية صباحا وقد تم تأمين مكان الاجتماع بواسطة خبراء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، وعاد هيلمز عقب الاجتماع إلى واشنطن لإخطار الرئيس الأمريكى بما دار مع الملك ـ يقول الأستاذ هيكل فى كتابه ( عام من الأزمات ) أنه فى ربيع عام 1985 تقابل مع السيد كمال أدهم فى بيته فى لندن وسأله عن لقاء الملك فيصل بريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 ، وهل كان الملك يعرف بالتدابير الأمريكية والإسرائيلية لمصر و لجمال عبد الناصر ؟ ورد عليه السيد كمال أدهم قائلا ( أسمع لست سياسيا مثل الآخرين أقول أى كلام و السلام ، ما سألتنى فيه لن أرد عليه ، ولكنى أريدك أن تعلم ، و أنا أقولها لك بمنتهى الصراحة ، صديقك الرئيس جمال كان فى مواجهة مفتوحة و عنيفة ضد المملكة ، والمعركة كانت سياسية و نفسية وأخيرا أصبحت عسكرية فى اليمن ، والملك فيصل مسئول عن مملكته ، مسئول أمام أسرته ، مسئول أمام أخوته و أبنائه يسلم لهم الأمانة كاملة كما استلمها ، واجبه واضح أمام العرش و الأسرة ، و عليه أن يتصرف بما يحقق ( المصلحة ) وهذا هو كل شئ وليس هناك شئ أخر، لا تستطيع أن تسائل الملك فيصل إلا فيما هو مسئول عنه ( العرش و الأسرة ) ، وهل نجح فى حمايتهما طوال حكمه أم لم ينجح ؟ و هل كانت المملكة أقل أو أكثر استقرارا عندما تركها عما كانت عليه عندما تسلمها ؟هذا هو المحك ، كان الخطر الأكبر علينا أيام ملكه هو صديقك الرئيس جمال وبالنسبة لنا فى المملكة فإن فيصل أنتصر فى التهديد الذى مثله علينا الرئيس جمال ، ونحن لا نتعب رؤوسنا بكثرة الأسئلة و لا بالخوض فى الحكايات و التواريخ ) ويتابع الأستاذ هيكل روايته لتفاصيل اللقاء ( وسكت السيد كمال أدهم وهو يشعر أننى أتابعه بتركيز شديد ثم قال : كنت صريحا معك لم أتكلم كلام سياسيين و لم أتكلم كلام رجل غامض كلمتك بصراحة و أنت حر فيما تفهمه مما قلت !). بقراءة كل تلك الوثائق سنتأكد بالفعل أن مساندة مصر لثورة اليمن ،ووجود جزء من الجيش المصرى هناك تسبب فى اطلاق كل كلاب الصيد للقضاء على تجربة جمال عبد الناصر. لم تكن مساندة مصر لثورة اليمن مصادفة أو قرارا عشوائيا بل كان لمصر دورا بارز فى تفجير الثورة من الأساس،وكانت على صلات وطيدة بالخلايا السرية للضباط الأحرار فى الجيش اليمنى. كان قرار عبد الناصر بتفجير الثورة فى اليمن ومساندتها ودعمها عسكريا نابعا من رؤيته للأمن القومى المصرى،رأى عبد الناصر أن من يسيطر على فلسطين يهدد سيناء، ومن يسيطر على سيناء سيطر على قناة السويس ، ومن سيطر على القناة سيطر على مصر والبحر الأحمر،ومن سيطر على مصر سيطر على الوطن العربى كله. حدد عبد الناصر فى تقديره الاستراتيجى لموقف مصر فى نهاية عام 1952 الأتى: - تواجه مصر عدوين فى وقت واحد :بريطانيا فى القناة وإسرائيل على الحدود الشرقية - لا يمكن لأية مفاوضات سياسية مع بريطانيا للجلاء أن تنجح إلا بمساندة العمل الفدائى والعسكرى فى منطقة القناة - مصر لن تتمكن من خوض معركة عسكرية ناجحة سواء كانت دفاعية أو هجومية ضد اسرائيل طالما ظلت القوات البريطانية متواجدة فى منطقة القناة تهدد خطوط مواصلاتنا نحو الشرق وتتحكم بها - العدو الرئيسى فى الوقت الحالى هو قوات الاحتلال البريطانى والعدو الفرعى هو القوات الاسرائيلية وبالفعل ينجح عبد الناصر فى توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا عام 1954 ،وتتبعها الخطوة الثانية بتأميم شركة قناة السويس فى 26 يوليو 1956 مما أدى للعدوان الثلاثى على مصر، وبفشل العدوان أصبحت قناة السويس مصرية بالكامل،كما ألغى عبد الناصر معاهدة الجلاء وأستولى على القاعدة البريطانية فى منطقة القناة،وبذلك تم تطهير المدخل الشمالى للبحر الأحمر،وبقى المدخل الجنوبى عند باب المندب ،وأصبح الطريق مفتوحا نحو الشرق فى سيناء للجيش المصرى دون تهديد بريطانى للقوات المسلحة المصرية، أصبحت اسرائيل هى العدو الرئيسى لمصر الذى يتحتم مواجهته . صمم عبد الناصر على انهاء الاحتلال البريطانى للسودان أولا وبعد ذلك الدعوة لوحدة وادى النيل من خلال الاعتراف بحق الشعب السودانى فى تقرير مصيره،وعندما أختار الشعب السودانى الاستقلال والانفصال عن مصر بادر عبد الناصر بتأييد ذلك وسحب القوات المصرية من السودان تاركة أسلحتها الثقيلة هدية للجيش السودانى مما اضطر البريطانيون إلى سحب جيشهم لتتحرر السودان ،وبذلك اكتسبت مصر صداقة الشعب السودانى ،وفتحت مجال العمل لها فى أفريقيا كلها باخلاصها والتزامها بتصفية الاستعمار فى القارة السمراء وحق تقرير المصير للشعوب الأفريقية،وفى عام 1957 أصبح الساحل الغربى للبحر الأحمر حتى كسلا ونهاية الحدود السودانية خاليا من القوات الأجنبية نهائيا. تحتل الصومال موقع استراتيجى هام فى القرن الأفريقى لذا قرر عبد الناصر مساندة القوى الوطنية الصومالية ودعمها من أجل الحفاظ على مقومات الشخصية الصومالية بجذورها العربية والإسلامية ووحدة أراضى الصومال ،وقطع الطريق على إسرائيل التى كانت تريد توطيد علاقاتها الإقتصادية بالصومال لذا اتصلت مصر بكل الهيئات والتنظيمات السياسية الصومالية ودعمت التعليم فى الصومال بالكتب العربية، كما أمر عبد الناصر أن يفتح الأزهر أبوابه لاستقبال الصوماليين الذين توافدوا على مصر بأعداد هائلة ،كما تم إرسال بعثة أزهرية كبيرة للصومال لربط الشعب الصومالى بدينه الحنيف ،وهكذا عملت مصر على إرساء علاقات اقتصادية وعسكرية وثقافية وسياسية وطيدة بالصومال الذى نال استقلاله عام 1960 وأنضم لجامعة الدول العربية،وبذلك ضمنت مصر مكانها فى منطقة القرن الأفريقى وقطعت الطريق على إسرائيل ،لتتحكم فى المدخل الجنوبى للبحر الأحمر ثم اندلعت ثورة اليمن على الجانب الأخر من شواطئ البحر الأحمر (الساحل الشرقى) وكان الدور المصرى والوجود المصرى لدعمها وأصبحت مصر قادرة على التحكم فى مدخل البحر الأحمر الشمالى ومدخله الجنوبى وهو ما تحقق فعلا خلال حرب 1973 باغلاق مضيق باب المندب . وبرغم الهزيمة فى عام 1967 ومحاولات اسرائيل لزيادة وجودها فى البحر الأحمر ببناء مطارات فى سيناء،ونقل بعض الزوارق الحربية برا من موانيها فى البحر المتوسط إلى البحر الأحمر ،ومحاولتها سرقة بترول خليج السويس أو التدخل فى عملية فتح قناة السويس. أجهضت السياسة المصرية فى عهد عبد الناصر كل تلك المحاولات ،وقامت مصر بنشر سفن أسطولها فى البحر الأحمر فى الموانى المصرية وميناء بورسودان ،كما نشرت مصر قواتها الجوية فى مطارات السودان،ونقلت جزء من قواتها البرية إلى منطقة جبل الأولياء بالسودان ،وعندما أستأجرت إسرائيل حفار عملاق لسرقة البترول المصرى فى خليج السويس قامت المخابرات المصرية بتدميره قبل وصوله للبحر الأحمر . ورفضت مصر كل محاولات فتح قناة السويس قبل انسحاب اسرائيل من كل الأراضى العربية المحتلة عام 1967 وايجاد حل عادل وشامل لقضية الشعب الفلسطينى، بل أن الرئيس عبد الناصر رهن فتح القناة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم. يقول المفكر الكبير "جمال حمدان" فى أوراقه الخاصة : أن الرئيس جمال عبد الناصر هو «أول وللأسف آخر’ حاكم يعرف ويفهم جغرافيا مصر السياسية وأن ’الناصرية هي المصرية كما ينبغي أن تكون... أنت مصري إذن أنت ناصري... حتى لو انفصلنا عنه (عبد الناصر) أو رفضناه كشخص أو كإنجاز. وكل حاكم بعد عبد الناصر لا يملك أن يخرج على الناصرية ولو أراد إلا وخرج عن المصرية أي كان خائنا» لأن الناصرية في رأيه قدر مصر الذي لا يملك مصري الهروب منه. ويقول «إن الناصرية بوصلة مصر الطبيعية’ مع احتفاظ كل مصري بحقه المطلق في رفض عبد الناصر لأن المصري ’ناصري قبل الناصرية وبعدها وبدونها.» لم تكن حرب اليمن سببا لمشاكل مصر ولم تكن هى سبب هزيمة 1967 بل كانت عملا عظيما يعكس بعد نظر ملموس لرجل دولة مهموم بقضايا أمته ،مؤمن بوحدة المصير العربى وبإن استقلال اليمن أو أى قطر عربى أخر هو جزء من استقلال مصر . وبرغم كل المؤامرات على الثورة اليمنية وبرغم كارثة يونيو 1967 قامت الجمهورية اليمنية وخرج الشعب اليمنى من حكم الامامة المتخلف، وهبت رياح التغيير على منطقة الخليج العربى ،فاستقلت امارات الخليج كلها وأنتهى الوجود الاستعمارى في المنطقة، وحتى حكام السعودية أعداء عبد الناصر وخصوم الثورة اليمنية أضطروا لإدخال تعديلات وتحديثات على السعودية لتقيهم من رياح الثورة . وخرجت دولة اليمن الجنوبية إلى الوجود كدولة مستقلة ثم توحد اليمن الشمالى والجنوبى فى دولة واحدة، وبالسيطرة العربية على باب المندب تحقق حلم عبد الناصر وأصبح البحر الأحمر بحرا عربيا بحق. وبسبب وجود الجيش المصرى فى اليمن قرب منابع النفط ،غيرت شركات البترول من أساليب تعاملها مع حكومات البترول ومنحتها نصيب أكبر من ثروتها المسلوبة . كل هذه الايجابيات جعلت الغرب الاستعمارى كله متحالفا مع الملوك العرب سواء فيصل السعودية أو حسين الأردن وحتى حسن المغرب فى أقصى غرب الوطن العربى يتكالبون على ضرب نموذج جمال عبد الناصر والاطاحة بنظام حكمه الوطنى فى مصر، وهو ما تحقق للأسف ولكن لسخرية القدر لم يتحقق ذلك عقب هزيمة 1967 بل بعد وفاة عبد الناصر وعقب نصر 1973 عندما سلم السادات كل أوراق المنطقة إلى صديقه الأمريكى اليهودى هنرى كيسنجر مدعوما بنصائح فيصل السعودية . وهو ما تعانى مصر منه حتى الآن فقد فقدت موقعها فى قيادة الأمة العربية، وفقدت أرصدتها فى القارة الأفريقية وأنكمش دورها فى حركة عدم الإنحياز،وأصبحت تواجه عزلة متزايدة فى ظل علاقات خاصة مشبوهة تجمعها بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل منذ عام 1974 . ستظل مساندة مصر لثورة اليمن أحد أعظم أعمال الرئيس عبد الناصر ومصدر فخر دائم لمصر مهما كره الخونة والعملاء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق